الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
259
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يستصعب عليها طمس أعينهم ولا مسخهم كما غيّر خلقة المعمرين من قوة إلى ضعف ، فيكون قياس تقريب من قبيل ما يسمى في أصول الفقه بالقياس الخفيّ وبالأدون ، فيكون معطوفا على علة مقدرة في الكلام كأنه قيل : لو نشأ لطمسنا إلخ لأنا قادرون على قلب الأحوال ، ألا يرون كيف نقلب خلق الإنسان فنجعله على غير ما خلقناه أولا . وبعد هذا كله فموقع واو العطف غير شديد الانتظام . وجعلها بعض المفسرين واقعة موقع الاستدلال على المكان البعيد ، أي أن الذي قدر على تغيير خلقهم من شباب إلى هرم قادر على أن يبعثهم بعد الموت فهو أيضا قياس تقريب بالخفيّ وبالأدون . ومنهم من تكلم عليها معرضا عما قبلها فتكلموا على معناها وما فيها من العبرة ولم يبيّنوا وجه اتصالها بما قبلها . ومنهم من جعلها لقطع معذرة المشركين في ذلك اليوم أن يقولوا : ما لبثنا في الدنيا إلّا عمرا قليلا ولو عمّرنا طويلا لما كان منا تقصير ، وهو بعيد عن مقتضى قوله : نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ . وكل هذه التفاسير تحوم حول جعل الخلق بالمعنى المصدري ، أي في خلقته أو في أثر خلقه . وكل هذه التفسيرات بعيد عن نظم الكلام ، فالذي يظهر أن الذي دفع المفسرين إلى ذلك هو ما ألفه الناس من إطلاق التعمير على طول عمر المعمّر ، فلما تأولوه بهذا المعنى ألحقوا تأويل نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ على ما يناسب ذلك . والوجه عندي أن لكون جملة وَمَنْ نُعَمِّرْهُ عطفا على جملة وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ [ يس : 67 ] فهي جملة شرطية عطفت على جملة شرطية ، فالمعطوف عليها جملة شرط امتناعي والمعطوفة جملة شرط تعليقي ، والجملة الأولى أفادت إمهالهم والإملاء لهم ، والجملة المعطوفة أفادت إنذارهم بعاقبة غير محمودة ووعيدهم بحلولها بهم ، أي إن كنا لم نمسخهم ولم نطمس على عيونهم فقد أبقيناهم ليكونوا مغلوبين أذلة ، فمعنى وَمَنْ نُعَمِّرْهُ من نعمره منهم . فالتعمير بمعنى الإبقاء ، أي من نبقيه منهم ولا نستأصله منهم ، أي من المشركين فجعله بين الأمم دليلا ، فالتعمير المراد هنا كالتعمير الذي في قوله تعالى : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [ فاطر : 37 ] ، بأن معناها : ألم نبقكم مدة من الحياة تكفي المتأمل وهو المقدر بقوله : ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ . وليس المراد من التعمير فيها طول الحياة وإدراك الهرم كالذي في قولهم : فلان من المعمّرين ، فإن ذلك لم يقع بجميع أهل النار الذين خوطبوا بقوله : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ . وقد طويت في الكلام جملة تقديرها : ولو نشاء